إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
487
الإعتصام
وقسم نظري يمكن العلم به ويمكن أن لا يعلم به - وهي النظريات - وذلك الممكنات التي تعلم بواسطة لا بأنفسها إلا أن يعلم بها إخبارا وقد زعم أهل العقول أن النظريات لا يمكن الاتفاق فيها عادة لاختلاف القرائح والأنظار فإذا وقع الاختلاف فيها لم يكن بد من مخبر بحقيقتها في أنفسها إن احتيج إليها لأنها لو لم تفتقر إلى الأخبار لم يصح العلم بها لأن المعلومات لا تختلف باختلاف الأنظار لأنها حقائق في أنفسها فلا يمكن أن يكون كل مجتهد فيها مصيبا - كما هو معلوم في الأصول - وإنما المصيب فيها واحد وهو لا يتعين إلا بالدليل وقد تعارضت الأدلة في نظر الناظر فنحن نقطع بأن أحد الدليلين دليل حقيقة . ولا الآخر شبهة ولا يعين . فلا بد من إخبار بالتعيين ولا يقال إن هذا قول الإمامية لأنا نقول بل هو يلزم الجميع فإن القول بالمعصوم غير النبي صلى الله عليه وسلم يفتقر إلى دليل لأنه لم ينص عليه الشارع نصا يقطع العذر فالقول بإثباته نظري فهو مما وقع الخلاف فيها فكيف يخرج عن الخلاف بأمر فيه خلاف هذا لا يمكن فإذا ثبت هذا رجعنا إلى مسألتنا فنقول الأحكام الشرعية من حيث تقع على أفعال المكلفين من قبيل الضروريات في الجملة وإن اختلفوا في بعض التفاصيل فلتماسها . ونرجع إلى ما بقي من الأقسام فإنهم قد أقروا في الجملة - أعني القائلين بالتشريع العقلي - أن منه نظريا ومنه ما لا يعلم بضرورة ولا نظر وهما القسمان الباقيان مما لا يعلم له أصل إلا من جهة الإخبار فلا بد فيه من الإخبار لأن العقل غير مستقل فيه وهذا إذا راعينا قولهم وساعدناهم عليه فإنا إن لم نلتزم ذلك على مذاهب أهل السنة فعندنا أن لا نحكم العقل أصلا فضلا عن أن يكون له قسم لا حكم له وعندهم أنه لا بد من حكم فلأجل ذلك نقول لا بد من الافتقار إلى الخبر وحينئذ يكون العقل غير مستقل بالتفريغ فإن قالوا بل هو مستقل لأن ما لم يقض فيه فإما أن يقولوا فيه بالوقوف - كما هو مذهب بعضهم - أو بأنه على الحظر أو الإباحة - كما ذهب إليه آخرون فإن قالوا بالثاني فهو مستقل وإن قالوا بالأول فكذلك أيضا لأن قد ثبت